شهادة مؤرخ
خالد حربي.. سجين الدولتين
شهادة المؤرخ محمد إلهامي عن خالد حربي: تأسيس المرصد، والعمل في خدمة المسلمين الجدد، وسنوات المحنة وأثر الغياب على أسرته.
قالوا عنه
شهاداتٌ ومواقف تستعيد أثره، وكلمات وفاء تحتفي بثباته وتدعو له بالفرج.
شهادات ومواقف
شهادة مؤرخ
شهادة المؤرخ محمد إلهامي عن خالد حربي: تأسيس المرصد، والعمل في خدمة المسلمين الجدد، وسنوات المحنة وأثر الغياب على أسرته.
كاتب
أشاد خالد سعيد بموقف خالد حربي حين أضرب عن الطعام تضامنًا مع امرأة وأطفالها المحتجزين؛ موقفٌ بقي فيه نصيرًا لغيره، وهو أحوج ما يكون إلى النصرة.
دعوة إلى الوفاء
ذكر الشيخ محمد الصغير خالد حربي في دعوة إلى مواساة المعتقلين وعدم نسيانهم، وسأل الله أن يجمعهم بأسرهم في القريب العاجل.
حق الأسرى على الأحرار
أعادت جِوار التذكير بقضية خالد حربي وأثر غيابه على أسرته. ويبقى لقاؤه بأبنائه وحريته في صميم التضامن معه.
أمل الأسرة
يستعيد عمر حكايات أبيه ودفء البيت قبل الغياب، ويحكي عن فرحة أول مكالمة وعن الأمل الذي لا يزال ينتظر لقاءً قريبًا.
من كتابات الوفاء
مقال وليد المسلم عن نشأة خالد حربي، وعمله في المرصد، ومواقفه، وما عاشته أسرته في سنوات غيابه.
كلمات وفاء
في الثبات مآثر، وفي البذل مروءة، وفي القلوب وفاءٌ لا يغيب.
انبرى في مَضيقٍ فرّت منه المؤسسات وتراجعت عنه الكبار؛ يوم كان النزولُ إلى نصرة المستضعفات خوضاً في حقلٍ تتقاطع فيه أسنةُ الظلم، فما استوحش من قلة السالكين، ولا انتظر ميزانيةً تبنيه، بل نذر عقلَه الهندسيَّ وفتاءَ شبابه ليكون بابَ نجاةٍ لمن أُوصدت في وجوههن الأبواب كلها، فنال شرف الرباط على ثغرٍ لا يقوم فيه إلا الصدّيقون.
أرادوا بسياطهم وصواعقهم أن ينتزعوا منه اسماً أو خبيئة لمسلمةٍ استجارت به، فوجدوا في جسده النحيل قلباً أصلب من صخور الجبال؛ ذاق العذاب في عتمة الزنزانة فما نطق بحرف، بل اشترى أمنَ المستضعفات بوجع لحمه وعظمه، وكتم السرّ سكوتَ القبر، فرسم للأمة معنى الفتوة التي لا تبيع أمانتها ولو بلغت الروحُ الحلقوم.
«حتى لو قتلتموني ما دللتكم على مكانها»؛ يمينٌ برّةٌ صدع بها في وجه الجلاد وآلات الموت منصوبةٌ بين يديه، فكانت وثيقة شرفٍ لا يوقعها إلا من باع دنيا الفناء واشترى جوار ربه. ما كانت الكلمة في فمه هتافاً فوق منبرٍ آمن، بل كانت فداءً حقيقياً انغرس في ميزان حسناته إلى يوم القيامة، يُحيي الله بها موات الهمم في أزمان الانكسار.
عرف طريق السجون وهو ابن خمس عشرة سنة، يوم وقف صبياً تتخطفه العيون الجائعة، فلقن جلاديه درساً في الشبع والعزة؛ قاسم إخوانه الرغيفين الصغيرين بابتسامة قاهرة أغاظت حراس القيد، وبنى في صدره حصناً من الاستعلاء بالإيمان لم تطله سياط أبي زعبل ولا عتمة الفيوم؛ ومن شبت روحه على الصمود فتىً، استحال على عواصف الزمان أن تكسره كهلاً.
أدار بمفرده وبنفرٍ قليل ما عجزت عنه الهيئات الكبرى؛ جمع بين دقة الرصد والاستقصاء، وبين الإيواء وتثبيت الهويات ورعاية القلوب، فتحول جهده الفردي المخلص إلى درعٍ للأمة يحمي عقيدتها، وسدٍّ منيع يكشف زيف حملات التنصير. برهن بسيرته على أن التوفيق ليس بكثرة العتاد والمنابر، بل بصدق الانتداب ونقاء السريرة مع الله.
خاض غمار هذا الملف الشائك وهو أنقى من الغمام؛ لم تلوث يده درهماً من دنيا الناس، ولا طمع في جاهٍ أو تصدر، بل كان يختفي في مواضع المغانم والشهرة، ويبرز في مواطن الخطر والمغارم. عمل بصمتِ العارفين الذين لا يرجون ثناءً إلا من صاحب العرش، فكان من طينة المحتسبين الذين لا تطلب دنياهم من أمتهم جزاءً ولا شكوراً.
كان الأبَ الرحيم والأخَ الحامي لمن خذلتهن القرابات وتنكرت لهن الديار؛ فتح للمؤمنات الجدد بيتاً من الأمان حين ضاقت عليهن رحابة الأرض، وستر أعراضهن كما يستر الرجلُ حرمة أهل بيته، لا يبالي بما يصيبه في سبيلهن؛ فهنيئاً له دعواتٌ خفيّات فاضت بها ألسنة الطاهرات في جوف الليل، تدفع عنه عتمة الزنزانة وترفع مقامه في عليين.
جرّعته سني الأسر مرارات الفقد فما وهن ولا استكان؛ غاب عنه أبوه الصالح إلى جوار ربه فلم يودعه، ووُلدت له قرة عينه «أروى» فلم يضمها إلى صدره، وضاقت عليه جدران «العقرب» بالأوجاع والأسقام؛ لكنه حمل ذلك كله بيقين من يعلم أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأن لقاء الأحبة الحقيقي ليس تحت سقف الطين الزائل، بل في جنات ونهر عند مليك مقتدر.
مع كل ما ناله وأهله من بغي المداهمات وانتهاك الحرمات، لم ينزلق لسانه يوماً إلى هوة الظلم أو التعدي، بل ظل كلامه ميزاناً للعدل ومطلباً للحق؛ يطالب بالقانون الحازم، ويحفظ حق المخالف، ويدفع صيال المتطرفين في كل اتجاه. ما عرف الغدر ولا رضي بإراقة دم، بل كانت خصومته كلها ذوداً عن كلمة التوحيد وحماية للمظلومين.
كوّموا عليه الأحكام الجائرة حتى جاوزت خمسين عاماً، وما دروا أن كثرة تهمهم هي أصدق وسام على صدره؛ فجمع المتناقضات في ورقة واحدة حجةٌ على خوفهم من ثباته لا على ذنبه، ودليلٌ على أن رجلاً واحداً مجرداً من كل سلاح إلا إيمانه، قد أرعب منظومات كاملة؛ فالقيدُ في يد الحر شرف، وسجون الظالمين خلوة تزيد الصادقين جلاءً ورفعة.
لم يعامل قضايا أمته بعواطف فائرة تنطفئ مع الأيام، بل سكب فيها عقلَ المهندس الدقيق وبصيرته؛ فبنى للأمة قاعدة بياناتٍ توثق خفايا التنصير شبكةً شبكة، وحوّل الدفاع عن العقيدة من صياحٍ عابر فوق المنابر إلى صرحٍ استقصائي رصين أربك حسابات الخصوم؛ فكان من القلائل الذين زاوجوا بين حرقة القلب في الصدر، وهندسة الفعل المحكم على أرض الواقع.
حين هجمت عليه كتائب الظلم في ليلته وأرادوا عصب عينيه، أبى بشموخ المؤمن أن يطأطئ رأسه، فما كان من ضابطهم إلا أن نطق بالحقيقة رغماً عنه: «خالد رجل قديم»؛ كلمةٌ خرجت من فم الخصم تختصر سيرة ثباتٍ لا تعرف المداهنة؛ رجلٌ من طينة الرعيل الأول الذين لا ترهبهم العتمة، ولا تُفزعهم القيود، ولا تنحني جباههم إلا لمن خلقهم.
أخرجوه من دهاليز التحقيق وجسده ينزف من لسعات الكهرباء، متوهمين أنهم كسروا إرادته وأطفأوا نوره؛ فكان أول ما صنعه حين تنسم الهواء أن أعاد تشغيل «المرصد» واستأنف نصرة المستضعفين في ساعته وتاريخه؛ عزمٌ فولاذيٌّ يسخر من سياط الجلادين، وبرهانٌ ساطع على أن قضية الإسلام في صدر هذا الرجل ليست رداءً يُخلع، بل هي نفسه الذي يتردد بين جنبيه.
في اللحظة التي غرس فيها الجلاد صاعقه في جسده المنهك، وضاقت به حيل الأرض وأسبابها، لم يستغث ببشر ولم يتوسل لظالم، بل علا صوته في سماء التعذيب يصرخ: «يا رحمن.. يا رحمن». استغاثةٌ خالصة خَلعت قلوب الجلادين في غرفتهم المظلمة، وسجلت في ديوان السماء صرخة موحدٍ عظيم آوى إلى ركنٍ شديد، لا يخيب من لاذ بجنابه.
حين أفاق ملقىً على بلاط الممر قبيل الفجر، وجد طبيباً يضمد جراحه ويحبس دمعه إجلالاً لثباته، جاء محتسباً ليداوي رجلاً عُذّب في الله؛ وهذه آيةٌ من آيات المحبة التي يقذفها الله لأوليائه في قلوب عباده الصالحين؛ فمهما اجتهد الظالمون في عزل الصادق وشيطنته، فإن نور التقوى يفيض من وجهه ليجعل حتى الغرباء يبكون وجداً لمصابه وفخراً برجولته.
يوم تراجعت المؤسسات وتنكّرت الهيئات لملف الحرائر المستضعفات، انبرى خالد حربي ليكون صوتهن الصادح ودرعهن الحصين؛ لم يترك امرأةً أعلنت إسلامها فريسةً للأسر أو التغييب، بل خاض المعارك القانونية والإعلامية لكشف المستور وهتك الأستار. كان حائط صدٍّ حقيقي للأعراض، ووقف وقفة عمرية يفتخر بها كل حرٍّ يعتز بانتسابه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
في زمنٍ استمرأ فيه الكثيرون بيع الكلام واقتناص الشهرة من وراء الشاشات، اختار خالد حربي خبيئة العمل الصامت الذي لا يراه إلا الله؛ نزل إلى الأزقة والمحافظات، استأجر البيوت، وثبّت الهويات، وأطعم الجائع، وآوى الغريب، لا ينتظر ثناءً ولا كاميرا تصوره؛ كان يعمل تحت الأرض ليبني أركان العزة، بينما كان غيره يتسابق على تصدر المشاهد في الفضاء المفتوح.
أكثر من ثلاثين عاماً وأجهزة الأمن تفتش في دفاتره وأيامه، فلم يعثروا له على درهمٍ حرام، ولا سرقةٍ ولا غدر، ولا قطرة دمٍ أُريقت بغير حق؛ صحيفةٌ ناصعة البياض كالشمس في رابعة النهار. كل ذنبه عند محاصريه أنه أحب دينه ودافع عن المستضعفين، وهذا هو الاتهام الذي تفاخر به الأنبياء من قبل؛ فما زاده طول الحبس إلا براءةً وطهارة في عيون المنصفين.
يتوهم سجانوه أنهم حبسوه بين أربعة جدران، وما علموا أن المسجون الحق هو من سُجن قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه؛ أما خالدٌ حربي فهو الحرُّ الذي تسبح روحه في فضاءات الرضا الإلهي، بينما يعيش جلادوه في سجن الخوف والريبة والترقب. إن القيد يدمي الحديد لكنه لا ينال من الروح الموصولة برب العرش، ولربَّ زنزانةٍ ضيقة كانت أوسع من قصور الطغاة.
نم قرير العين يا أبا سهيلة؛ فلستَ منسياً في غياهب النطرون، ولا غائباً عن أفئدة الأوفياء. إن خلفك أمةً تلهج ألسنةُ صالحيها في ظلمات الأسحار بالدعاء لك بالثبات والفرج، وشباباً يستلهمون من ثباتك معنى الرجولة التي لا تباع. لك العهدُ ألا تُنسى تضحياتك، وأن تظل سيرتك شعلةً تضيء دروب الفتوة، وإن موعد الصبح لقريب، وما ذلك على الله بعزيز.
حين أُغلقت في وجهه الأبواب، وجلس في دائرة التعذيب والوحشة، انهار باسطاً كفيه مردداً كلمة العارفين: «بل عبدٌ يا مولاي، عبد». حول زنزانته الضيقة إلى صومعة ذكر وتضرع، واستعاض عن قلة الأطباء وأدوية الجوف بدوام الرضا عن ربه وحسن الظن برحمته؛ ومن كانت خلوته بالله فما هو بمأسور، وإن أُغلقت دونه مئة بوابة وحاجز.
ستفنى هذه الليالي المظلمة وتبقى الأجور، وتزول قيود الحديد ويبقى أثر الصدق منقوشاً في سجل الخالدين. كل قطرة ألمٍ، وكل زفرة غريب، وكل نفسٍ آواها خالدٌ حربي وسترها في غربة الإسلام، ستأتي يوم القيامة نوراً يسعى بين يديه. نسأل الله أن يربط على قلبه الصابر، وأن ينزل عليه سكينة تثبت روحه، وأن يجعل الفرج أقرب إليه من شراكه، والحمد لله رب العالمين.
دعاءٌ لا تحجبه الجدران
اللهم فكّ أسر خالد حربي، واشرح صدره، وقوِّ قلبه، وألبسه ثوب العافية، وأقرّ أعين أهله بعودته. واجزه عن بذله خيرًا، واجعل له من كل ضيقٍ فرجًا، ومن كل همٍّ مخرجًا.
آمين