سلامٌ عليك في محبسك يا أبا سهيلة، وطبتَ حياً في ضمائر الصادقين، وكتبَ الله أثرك في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
لا نكتبُ إليك هذه الرسالة لنُعلّمك الصبر؛ فمثلك من يتعلم الصبرُ منه كيف يكون الثبات، ولا لنوصيك باليقين؛ فأنت من سكب اليقينَ حياً في عروق جيلٍ كادت تعصف به رياح الهزيمة النفسية. إنما نكتبُ إليك لنرفع عن صدورنا ثقل الحياء منك، ولنؤدي بعضَ حقك ودَينك الذي طوّقت به أعناقنا يوم وقفتَ وحدك في المضيق الحرج، تدفع عن حرائر المسلمين عاديات الفتنة وسياط القهر، بينما كانت الأمة في شغلٍ فاكهين، والمؤسساتُ الكبرى تلوذ بالصمت خشيةَ السطوة وفوات المغانم.
يا أبا سهيلة؛ نحسبك عند الله -والله حسيبك ولا نزكيك على الله- من الصادقين المخلصين الذين ما خانوا حين خان الكثيرون، وما تراجعوا حين فرّ الأقران؛ تشهد لك أفعالك ومواقفك النبيلة، وتشهد لك قلوب المؤمنين التي اجتمعت على محبتك والدعاء لك. نذكرك صبياً في الخامسة عشرة من عمرك على بوابة أبي زعبل، تدير مائدة الإيثار برغيفين وصحن عدس، وتبتسم في وجه الجلاد لتعلّمه أن روح المؤمن أعصى على الانكسار من قيود الحديد. ونذكرك مهندساً يافعاً آثر غبار الميدان على رغد العيش، فنزل إلى أزقة المستضعفات اللاتي أعلنّ إسلامهن وتنكّرت لهن الدنيا، فكنتَ لهن الأبَ الرحيم، والأخَ الغيور، والحصنَ الحصين الذي يأوي الخائف ويستر العرض ويحفظ الهوية، حتى جعلتَ من جسدك وفنائك درعاً دونهن، وقدمتَ للأمة درساً في المروءة والرجولة لم تقوَ عليه ميزانيات الدول.
ولقد بلغتنا يمينك الصادقة التي هزت أركان غرف التعذيب المظلمة حين قلتَ للجلادين والكهرباء تسري في جسدك: «حتى لو قتلتموني ما دللتكم على مكانها، فإني لا أتحمل أمام الله أن أكون سبباً في تسليم مسلمة». تلك اليمين يا خالد نحسب أنها كُتبت بمداد الصدق الخالص، وموقفاً يزن عند الله أمةً كاملة؛ يوم أثبتَّ للدنيا كلها أن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يشتري عرضَ امرأةٍ مسلمة غريبة بحريته، وعافيته، وزهرة شبابه، ولا يبالي أن يُصعق جسده ما دام دينه وعرض إخوانه سالماً لم يُمس.
وإن القلب ليتفطر، وإن العين لتدمع، ونحن نرى ما نزل بك من فواجع الفقد وأنت في غياهب السجون؛ مات أبوك الشيخ الصالح الذي رباك على عتبات المساجد، فصعدت روحه إلى بارئها وهو يدعو لولده الوحيد المحبوس، وحُرمت من تقبيل جبينه وتوسيده في قبره؛ ووُلدت لك طفلتك «أروى» فكبرت بعيداً عن عينيك، ولم تكتحل برؤيتها ولم تشم ريحها ولم تضمها إلى صدرك؛ وحُرمت من سهيلة وعمر اللذين فارقتهما وهما في المهد؛ ثم كوّموا فوق ظهرك أحكاماً جائرة تجاوزت خمسين عاماً، وحرموك الدواء وأنت تعاني آلام المعدة والقولون في عتمة «العقرب» و«النطرون». ونحن نعلم أن هذه الجراح لو وُضعت على جبلٍ لأهدّته، ولكننا نحسب أن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، ونرجو أنه سبحانه ما اختارك لهذا البلاء العظيم إلا ليرفعك به إلى منازل الأبرار التي لا تُنال إلا باقتحام العقبات وصدق المحتسبين.
فاعلم يا قرة عين الصالحين، ويا شرف هذه الحقبة، أن خمسين عاماً قضوها عليك ليست حكماً بسجنك، بل هي شهادة عجزهم أمامك؛ هي وثيقةٌ تثبت أن رجلاً واحداً مجرداً من كل شيء إلا إيمانه، قد أرعب منظومات الطغيان، وأن اسمك المجرد يهز أركانهم خلف جدرانهم العالية. السجن يا أبا سهيلة لمن سُجن قلبه عن الله، وأما أنت فحرٌّ طليق، نحسب أن روحك تسري في ملكوت الرضا واليقين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
إننا نعتذر إليك عن عجزنا، وعن قلة حيلتنا، وعن هذا القيد الذي يثقل معصمك ونحن خارجه لا نملك إلا الدعاء والبيان؛ ولكننا نعاهدك عهد الرجال الأوفياء ألا تُمحى سيرتك، وألا تسقط رايتك. وها هو موقعك ومنبرك الذي بذلت فيه دمك قد استرجعناه وأحييناه، وسيبقى منارةً ترشد الحائرين، وشاهداً على جهادك، ووثيقةً تلعن الظلم وتفضح التنصير والتغريب. ونبشرك بأنك لست وحدك؛ ففي كل ليلةٍ يُسدل فيها الظلام ستره، ترتفع آلاف الأكف من مشارق الأرض ومغاربها، تلهج بالدعاء لك في الأسحار، تسأل الله أن يربط على قلبك، وأن ينزل شفاءه على جسدك، وأن يكسر قيدك، وأن يُقر عينيك باحتضان أروى وسهيلة وعمر وهم أحرارٌ أعزاء.
اصبر يا أبا سهيلة، واثبت فديناك بالأرواح والمهج؛ فإنما هي سويعاتٌ من الصبر يعقبها خلودُ الكرامة، وإن الليل مهما طالت حلكته فإن تباشير الصبح آتيةٌ لا ريب فيها، وإن موعدنا الحوض عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحسبك أنك عشت مجاهداً، ووقفت صامداً، ونحسبك ما بدلت تبديلاً؛ فسلامٌ عليك يوم صدعت، وسلامٌ عليك يوم صبرت، وسلامٌ عليك يوم تخرج رافع الرأس عزيزاً، والحمد لله رب العالمين.



