لا أكتبُ هذه الكلماتِ وأنا أدّعي لنفسي شرفَ صحبتك القديمة، ولا زلفى القربِ اللصيق من أيامك؛ فقد جمعتنا أقدارُ اللقاء في مراتٍ معدودات لم تبلغ حداً من المخالطة الدائمة، ولم تمتد بيننا أسبابُ المعاشرة الطويلة التي يتكئ عليها الكاتبون حين يرثون حرية رفقائهم. غير أن من الرجال من يملأ عينك وبصيرتك بفعله لا بطول مجلسه، ومنهم من تشهد له الأيام بمواقف الرجولة حتى يغدو في وجدانك حياً حاضراً، لا تحتاج لتعرف قدره ومقامه إلى أكثر من أن ترى أين يقف حين يفرّ الناس، وأيَّ ثغرٍ يسدُّ حين تتوارى المؤسسات. ولقد كنتَ يا أبا سهيلة، في كل مشهدٍ رأيتك فيه أو تتبعتُ أثرك من بعيد، رجلاً مباركاً، قليلَ الكلام، كثيرَ العمل، يحمل في صدره همّاً بحجم أمة، ويتحرك في صمت العارفين الذين لا يطلبون من دنيا الناس جزاءً ولا شكوراً.

اليوم، ونحن نسترجع هذا الموقع الذي أُريد له أن يُدفن، ونعيد بعث هذا المنبر الرقمي الذي بذلتَ فيه زهرة عمرك، نبعث إليك في عتمة سجنك برسالةٍ خطّها الوفاء: إن غيّبتك القضبانُ فإن أثرك لا يغيب، وإن أراد الظالمون طمرَ اسمك تحت ركام النسيان، فإن الله الذي لا يضيع أجر المحسنين قد كتب لك في قلوب عباده الصالحين من المحبة والإجلال ما تنكسر دونه أقفالُ السجانين. لقد أخذوا جسدك النحيل إلى خلف الأسوار، وكدّسوا فوق كاهلك أحكاماً جائرة تجاوزت نصف قرن من الزمان، وما علموا أنهم كلما زادوا في قيدك عاماً زادوك في أعين الأحرار رفعة، وكشفوا عن فزعهم الدفين من رجلٍ أعزل لا يملك إلا عقيدةً في صدره، وصدقاً في لسانه، ونخوةً هبت يوم نامت ضمائر الكثيرين.

يا خالد حربي؛ يشهد الله أننا ما نسيناك، وكيف ينسى المنصفون رجلاً نذر حياته ليفتح باباً للأمان لمن أُوصدت في وجوههن الأبواب كلها؟ كيف ننسى تلك السنين التي كنت فيها درعاً للحرائر المستضعفات اللاتي اخترن نور التوحيد فتنكرت لهن الأرض بما رحبت؟ كنت تؤوي الخائفة، وتثبت الحائرة، وتستخرج الأوراق، وتستر الأعراض كما يستر الحرُّ حرمات بيته، وتصمت عن الأسماء والأماكن سكوتَ القبر لئلا تُؤذى نفسٌ دخلت في دين الله. لم تكن يومها مدعوماً بميزانية دولة، ولا حامياً لظهرك بحزبٍ ولا شاشات، بل كنت فرداً يحمل عبء مؤسسات، ومهندساً سخر عقله ووقته ليرصد شبكات التغريب والتنصير بدقةٍ استقصائية لم يقوَ عليها إلا أولو العزم من الرجال.

وإني لأستحضر اليوم تلك اليمينَ العظيمة التي أقسمتها في غرفة التحقيق المظلمة، وسياط الكهرباء تلوح بين يديك، حين قلت بملء فمك: «حتى لو قتلتموني ما دللتكم على مكانها، فإني لا أتحمل أمام الله أن أكون سبباً في تسليم مسلمة». كم من كلمةٍ قيلت فوق المنابر فطارت مع الرياح، لكن كلمتك تلك كُتبت بالدم والعصب، وانغرست في صحيفة مجدك التي لن تبلى. لقد دفعوك إلى دائرة الصعق، وغرسوا الأسلاك في جسدك، وناديتَ من قاع ألمك: «يا رحمن.. يا رحمن»، فكان ذلك النداء هو السكينة التي نزلت على فؤادك، والبرهان الذي أثبت أن روحك تطير في سماء الملكوت بينما جسدك ملقىً على بلاط الممر يداويه طبيبٌ يبكي إجلالاً لصبرك وثباتك.

أعلمُ يا أخي أن وحشة السجن ثقيلة، وأن مرارات الفقد تقطع نياط القلوب؛ أعلمُ كيف غاب عنك والدك الصالح إلى جوار ربه فلم تكتحل عيناك بتوديعه، وأنت ابنه الوحيد وقرة عينه؛ وأعلمُ أن لك طفلةً تسمى «أروى» وُلدت وأنت خلف الجدران، فكبرت بعيداً عن حنان يديك، وأن سهيلة وعمراً كبرا وفي قلوبهما شوقٌ إلى أبٍ اشترى سلامة دين الأمة براحة بيته. ولكن يعلم الله، ويعلم كل صادق، أن هذه الجراح التي تنزف في خلوتك هي مسكُ القيامة، وأن دموعك التي تسحها في السحر وأنت قائم تصلي وتتلو، هي السيل الذي يغسل أدران الغفلة عن هذا الجيل.

إن هذا الموقع الذي أعدناه اليوم ليس مجرد حروفٍ تُنشر، بل هو شعلةٌ أوقدتها أنت في ظلمات الخوف، ولن نتركها تنطفئ ما دامت فينا أنفاسٌ تتردد؛ هو عهدٌ بأن قضيتك حية، وأن الملف الذي حميته بجسدك باقٍ في ضمير الأمة لا يسقط. وإذا كان سجانوك يمنعون عنك الدواء ويحرمونك رؤية أهلك، فثق أن آلاف الأكف ترتفع في جوف الليالي تسأل الله لك فرجاً قريباً، وسكينةً تملأ صدرك، وعافيةً تطبب أوجاعك.

نم قرير العين يا أبا سهيلة، واعلم أن خلوتك هذه هي محراب الصدّيقين، وأنك لست المأسور في هذا المشهد؛ بل المأسور هو من سجنته دنياه وشهواته، وحُرم لذة التضحية في سبيل ربه. نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يربط على قلبك، وأن يكسر قيدك، وأن يجمعك بأهلك وولدك وأروى في عافية وستر، وأن يغفر لوالدك ويجزيه عنك خير ما جزى والداً عن ولده؛ وإلى أن نلقاك حراً عزيزاً بيننا، ستبقى هذه الكلمات شاهداً على أن في هذه الأمة رجالاً لا يُباعون، وأن للوفاء أهلاً لا ينسون.