بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على إمام المبتلين ونبي الصابرين، محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فمن وراء هذه الجدران المصمتة، ومن زاويةٍ ضيقة في هذا العالم لا يبلغها ضوء النهار إلا شذراً، أبعث بكلماتي هذه إليكم يا أهل ملتي وأبناء أمتي؛ لا أكتبُ إليكم مستجدياً عطفاً، ولا شاكياً بثّاً لغير بارئي، ولا نادماً على دربٍ وطئته أقدامي عن علمٍ وبصيرة منذ أن كنت فتىً لم يجاوز الخامسة عشرة من عمره. إنما أكتبُ إليكم لأن السجن إذا طال أَمَدُه، وتجرّد العبدُ فيه من حطام الدنيا وزينتها الزائفة، صَفَت له الرؤيةُ كما لا تصفو للغارقين في مشاغل العيش؛ فيرى بنور الإيمان حقائق الأمور مجردةً من بهرجها، ويعلم يقيناً ما الذي يبقى وما الذي يزول هباءً منثوراً يوم تُبلى السرائر.
يا أبناء أمتي؛ لا تحزنوا على قيودي، ولا تذرفوا الدمع على جسدٍ أضنته الأسقام وحُرم الدواء في عتمة «العقرب» و«النطرون»، ولا تستثقلوا خمسين عاماً كوّمها القضاةُ في صحائفهم ليحبسوا بها أنفاسي؛ فإن سجن المؤمن خلوة، وإن مرارة القيد في ذات الله أحلى في ميزان العاقبة من حلاوة الراحة في مسالك الخذلان. ولكن احزنوا، يا رعاكم الله، على ثغورٍ في الدين أخلاها أهلوها، وعلى أبوابٍ للجهاد بالكلمة والبيان فرّت منها المؤسسات والرجال. احزنوا على غربة الإسلام التي صرنا نرى فيها المستضعف يُسام سوء العذاب، والمسلمة تُختطف من بين أظهرنا، فلا يرتفع لنصرتها إلا صدى الأصوات الخافتة، بينما تتصاعد الملايين وتُبنى الصروح في غير ما طائل ولا نجدة.
وصيتي الكبرى التي أحملكم أمانتها أمام الله: إياكم والقعود عن نصرة المستضعفين، وإياكم والتفريط في أولئك الذين أقبلوا على دينكم وذاقوا حلاوة التوحيد في زمن الردة والفتنة. لقد رأيتُ بأم عيني كيف تتنكر الدنيا للفتاة إذا قالت: «ربي الله»، وكيف تُحاصر وتُطارد ويُراد ردها إلى ظلمات الشرك قهراً، يوم كان مجرد السؤال عنهن جريمةً تُوجب التعذيب والصعق والرمي في غياهب السجون. فاللهَ اللهَ في حرائركم، واللهَ اللهَ في دماء المهتدين وهوياتهم؛ لا تسلموهم للذئاب، ولا تجعلوا دفاعكم عنهم موسماً عابراً ينتهي بانطفاء الشاشات، بل اجعلوا نصرتهم ديناً وسجية وخبيئة عملٍ صامتة تدخرونها ليوم الفقر والفاقة.
وإني لأعلم ما يدور في خلجات كثيرٍ منكم: أين ثمرة التضحية، وما بال السنين تمضي والظلم يستطيل، والكروب تتوالى على هذه الأمة في كل صقع؟ فأقول لكم بلسان من عرك المحنة دهراً: إن النصر ليس موعداً نملكه بأيدينا، ولكنه ثمرةٌ لصدق الثبات وبذل الوسع؛ فليس عليك أن ترى الفتح بعينيك، ولكن الواجب عليك ألا تُرى إلا مرابطاً على ثغرك حتى تلقى ربك وأنت غير مبدل ولا ناكص. إن ركعةً في جوف الليل يبللها دمع المخلصين، وكلمةَ حقٍّ تُقال ولا يُخشى فيها إلا الله، وعفةَ يدٍ عن دراهم الحرام، أشدُّ وطأةً على عروش الباطل من كل جلبة وصياح. انزلوا إلى الميدان، وابنوا الوعي في صدور الشباب، وعلموهم أن الرجولة عقيدةٌ تُبذل لها النفوس، وليست شعاراتٍ تُرفع في أوقات الرخاء.
أما عن قلبي وحالي مع ربي، فاعلموا أن الله ما ترك عبده قط. نعم، فاضت العين دمعاً يوم جاءني خبرُ رحيل والدي الشيخ الصالح، وحُرمت أن أقبل يده أو أدفنه في لحده، ومات الحبيبُ وهو يدعو لولده الوحيد المحبوس؛ ونعم، يتقطع الفؤاد شوقاً لابنتي «أروى» التي كبرت خلف الأسوار ولم تكتحل عيني برؤيتها ولم تضمها أضلعي، ولابنتي سهيلة وابني عمر اللذين تركتهما صغاراً فغدوا في غيابي كباراً؛ لكنني أقول كما قال سلفنا الصالح: «إنها ودائع عند الله، وموعدنا جنةٌ عرضها السماوات والأرض». ما فاتنا من دفء الدنيا سنستوفيه هناك، وما ذقناه من وحشة الليل سينقلب نوراً نسعى به على الصراط، إن تقبل الله منا ورضي عنا.
أوصيكم بالقرآن، وأوصيكم بالثبات، وأوصيكم بإخوانكم المغيبين في قيعان السجون؛ لا تنسوهم من صالح دعائكم في الأسحار، فإن دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب هي السهم الذي لا ترده أبواب الحديد ولا أسوار الخرسانة. عيشوا لدينكم، واعلموا أن هذه الغمة إلى زوال، وأن بعد هذا الليل الطويل فجراً صادقاً ستشرق شمسه بإذن الله؛ فكونوا من فرسان فجره، ولا تكونوا من عثرات طريقه، وسلامٌ عليكم من قلبٍ ما زال على العهد حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.



